محمد أبو زهرة
3361
زهرة التفاسير
المجلد السابع سورة التوبة ( إدامة ) [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 66 إلى 68 ] لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ( 66 ) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 67 ) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 68 ) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً . والنهى هنا على حقيقته ، فاللّه تعالى ينهاهم عن الاعتذار ؛ لأن الاعتذار يؤدى إلى أن يقعوا في ذنب أشد مما يعتذرون عنه لحميتهم ، وجهالتهم بسبب النفاق الذي أركس نفوسهم في الشر ، أو نقول النهى للتهكم باعتذارهم الذي يجعلهم يعترفون بأفحش ذنوبهم . والاعتذار محو أثر الذنب ، وأصله القطع ، واعتذرت إليه قطعت ما في قلبه من الموجدة ، فهم يحاولون إزالة ما أوجده كلامهم من كفر ، فيزيدون الذنوب . والاستهزاء استخفاف ، فإذا كان باللّه وآياته ورسوله فهو كفر ، ولذا قال تعالى في اعتذارهم وإقرارهم بالاستهزاء قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ وقد أكد اللّه تعالى كفرهم ب قَدْ الدالة على التحقيق فأكد اللّه تعالى كفرهم ، وقوله تعالى : بَعْدَ إِيمانِكُمْ والنفاق ليس فيه إيمان ، والمنافق ليس بمؤمن ، ولكنه يظهر الإيمان ، ويكون بعد إيمانكم أي بعد إظهار إيمانكم ، فكشفتم كفركم بعد ستره ، فافتضح أمركم بعد أن سترتموه ، أو نقول : إنه كان فيهم ضعفاء الإيمان ، فكان اشتراكهم معهم في الاستهزاء والسخرية باللّه تعالى وآياته ورسوله كفرا لهم بعد إيمان كان فيهم ، وإن كان ناقصا ، وإني أختار هذا ، واللّه تعالى أعلم . ثم يقول سبحانه : إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً ، إن عفو اللّه منوط بالتوبة ، الطائفة التي يعفو اللّه عنها هي التائبة ، فالتوبة تجبّ ما قبلها ، وقد كان في هؤلاء الذين خاضوا ولعبوا وتعابثوا ، من تاب وأناب . وقد قال الحافظ ابن كثير في تفسيره نقلا عن عكرمة مولى عبد اللّه بن عباس : وكان رجل ممن إن شاء اللّه عفا عنه يقول : اللهم إني أسمع آية أن أعنى بها ( أي لأنه كان ممن خاضوا بها ) تقشعر منها الجلود ، وتوجل منها القلوب ، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك ، لا يقول أحد أنا غسّلت ، أنا كفّنت ، أنا دفنت . فأصيب يوم اليمامة ، فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره .